حسن الأمين
156
مستدركات أعيان الشيعة
القول عن النبوة والرسالة والولاية . فيعرف النبوة بأنها الأخبار عن الحقائق الإلهية ، أي معرفة ذات الحق تعالى وأسمائه وصفاته وأحكامه . وهي على قسمين : نبوة التعريف ونبوة التشريع . أما الأولى فهي الأنباء عن معرفة الذات والأسماء والصفات . والثانية جميع ذلك ، مع تبليغ الأحكام والتأديب بالأخلاق والتعليم بالحكمة والقيام بالسياسة . وتختص هذه النبوة بالرسالة . والنبوة إما مقيدة ، وهو ما تقدم تعريفه ، وإما مطلقة وهي النبوة الأصلية الحقيقية الحاصلة منذ الأزل والباقية إلى الأبد . وصاحب هذا المقام هو الموسوم بالخليفة الأعظم وقطب الأقطاب وآدم الحقيقي وغير ذلك . أما الولاية فهي قيام العبد بالحق عند الفناء عن نفسه « وذلك بتولي الحق إياه » . حتى يبلغه غاية القرب والتمكين « ( 1 ) . وللولاية أيضا اعتباران : الإطلاق والتقييد أو العام والخاص . والولاية مقيدة أو خاصة ، من حيث استنادها إلى الأنبياء والأولياء . والولاية المطلقة بهذا المعنى باقية أبدا ، بينما الرسالة والنبوة التشريعية تنقطعان بانقطاع النشأة الدنيوية . وهذه الولاية المطلقة ثابتة للحقيقة المحمدية بالأصالة . وهو القائل « كنت نبيا وآدم بين الماء والطين » . ولأمير المؤمنين بالوراثة وبعده لأولاده المعصومين . وكما أن خاتم النبوة لا يكون إلا واحدا هو النبي محمد ( ص ) كذلك خاتم الولاية المطلقة هو الإمام علي ، بينما خاتم الولاية المقيدة لمهدي آخر الزمان . يتوخى الآملي في كلامه هذا تأسيس الرسالة على النبوة وتاليا على الولاية ( نبوة المعرفة والإلهام والعرفان ) تماما كما فعل قبلا أستاذه ابن عربي . وكما قسم بنفسه النبوة إلى مقيدة ومطلقة ، ليترك للولاية . « حكم الأول والآخر والظاهر والباطن » ( في « فتوحاته » في أكثر من موضع وإشارة ) والولاية لما تنقطع بل هي مستمرة في شخص الأولياء . والشخص الذي تكون له النبوة يكون نبيا ، وكذا الرسالة تكون للرسول والولاية للولي . ثم إن كل رسول يكون نبيا ، ولا يكون كل نبي رسولا ( مثل أنبياء العهد القديم ) . كما أن كل نبي يكون وليا ، ولا يكون كل ولي نبيا . ولا يكون نبيا إلا وتكون ولايته مقدمة على نبوته ، كما لا يكون رسولا إلا وتكون نبوته مقدمة على رسالته . فالولاية كما يصفها الآملي باطن النبوة ، والنبوة باطن الرسالة . وكل واحدة منهما أشرف وأعظم من الأخرى ( 2 ) فمرتبة الولاية أعظم من مرتبة النبوة ، ومرتبة النبوة أعظم من مرتبة الرسالة . والمراد أن مرتبة الرسالة دون مرتبة النبوة ، ومرتبة النبوة دون مرتبة الولاية ، كما أن الشريعة دون الطريقة والطريقة دون الحقيقة . فروق لكن الآملي ينبه « إن الولاية وإن كانت في الحقيقة أعظم من النبوة ، والنبوة أعظم من الرسالة ، لكن ليس الولي أعظم من النبي . ولا النبي أعظم من الرسول . لأن للنبي مرتبة الولاية ، وفوقها مرتبة النبوة ، وكذلك للرسول مرتبتان الرسالة والنبوة فلا تحصل المساواة بينهم أصلا . والمراد بان الولاية أعظم من النبوة ، هو أن طرف الولاية في الشخص المعين يكون أعظم من طرف نبوته ، وطرف نبوته أعظم من طرف رسالته . والنبوة بالنسبة إلى الرسالة كذلك . مثل نبينا ( ص ) فإنه كان وليا ونبيا ورسولا ، وكان طرف ولايته أعظم من طرف نبوته ، وطرف نبوته أعظم من طرف رسالته . وكذلك جميع الرسل » . ( 3 ) يحاول الآملي في التفاتته إلى الفروق الدقيقة بين الولاية والنبوة ، وإيضاحه معنى امتياز الولاية على النبوة ، قطع الطريق على فئتين من الناس : إحداهما المتصوفة من السنة الذين كانوا يرون أن الشيعة يفضلون الولاية على النبوة ، أو على الأقل يساوون أو يطابقون بين المقامين . والفئة الأخرى فريق من الحشوية أو من مجسمة أهل خراسان يقولون إن الأولياء أفضل من الأنبياء ( 4 ) كذلك كثير من الغلاة والباطنيين . وبرغم أن الآملي يرجع في تقسيمه بين النبوة والولاية إلى ابن عربي الذي يلقبه بالشيخ الكامل ، إلا أنه وهو الحريص على ربط التصوف بأصوله الشيعية الاثني عشرية ، بنقض أقوال أستاذه محيي الدين بن عربي في مسألة الشخصين اللذين يقومان مقامي الولاية المقيدة والولاية المطلقة . أما الأولى فيعقد ابن عربي لواءها لشخصه . والثانية بنسبها إلى عيسى بن مريم ( ع ) . وهو في رأيه الولي بالنبوة المطلقة في زمان هذه الأمة ، حيل بينه وبين نبوة التشريع والرسالة فينزل آخر الزمان وارثا خاتما . . . لا ولي بعده . في حين يرى الآملي أن الإمام علي هو ولي مطلق وخاتم الأولياء بأسرهم ، وما ظهر ولي بعده إلا وكان مظهرا من مظاهرة وخليفة من خلفائه . والولاية المطلقة المخصوصة بعلي كانت سارية في جميع الأنبياء سرا ، حتى ظهر الرسول إلى عالم الشهادة
--> ( 1 ) نفسه ، ص 279 . ( 2 ) نفسه ، ص 285 . ( 3 ) نفسه ، ص 287 . ( 4 ) بنية العقل العربي .